Skip to main content

«معبد أنامل الحرير» لإبراهيم فرغلي فوق السرد.. تحت الأرض

«معبد أنامل الحرير» لإبراهيم فرغلي فوق السرد.. تحت الأرض
طارق إمام
فبراير 1, 2016   

البوكر.. الطريق إلى القائمة القصيرة «8» –


من بين الروايات الستة عشرة التي تؤلف القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، تبرز «معبد أنامل الحرير» للروائي المصري إبراهيم فرغلي، كإحدى أشد هذه الروايات إخلاصًا للعب السردي واتصالاً بالتخييل غير المشروط. لعبة سردية خالصة تقدمها الرواية الضخمة التي نشرتها منشورات ضفاف والاختلاف في 528 صفحة. مباشرةً ينفتح النص منذ سطوره الأولى على سؤاله الكبير: موت المؤلف/‏‏حياة النص. إنه سؤال يبدو كأنه استعير من معمل النقد ليُختبر في مختبر الرواية، غير أن قوة التخييل تمنحه هنا إدهاشه، أو بالأحرى، معقوليته. يختفي «رشيد الجوهري» وتبقى مخطوطة روايته «المتكتم» لتسرد حكايتههكذا، وفي قلب عنيف للأعراف السردية، يصير السارد هو المخطوطة، أما المؤلف الذي ينفتح النص على غيابه، فيتحول لموضوع. «النص يكتب مؤلفه»، أليست استعارة كبيرة يجري إنزالها، بقوة الفن، لمستوى قابل للتعاطي؟ ماهي إلا لحظات وسيكتمل المثلث بدخول «المتلقي»: قاسم، صديق رشيد، والذي يحاول قص أثره بعد اختفائه المريب في مركب بعرض البحر بينما كان في طريقه للشواطئ الإيطالية. المؤلف «ميت» والمتلقي يبحث عنه، من خلال نصه. أليست هي العلاقة الأبدية التي تجمع هذه الأضلع الثلاثة (مؤلف، نص، متلقي)؟ نعم إنها الفرضية «المجردة» وهي تكتسي بقوة الخيال لحماً ودماً.
لماذا يتولى المكتوب السرد؟ فالسارد هذه المرة ليس ذاتاً (حتى لو اتفقنا أن السارد الفني هو في نهاية المطاف ذات من ورق). السارد، (أو الساردة في واقع الأمر) في «معبد أنامل الحرير» مخطوطة روائية غير مكتملة، غاب صاحبها، وصار عليها أن تكتبه. كيف «تكتب» مخطوطة؟ بأي يد يمكنها أن تفعل ذلك، كيف تتحدث؟ إن ذلك يفترض توفرها على وعي، على وجهة نظر، ما يعني أنها تتجاوز سماتها المتفق عليها كعلامة. العلامة تمثيل للفكر، وهي الشيء وقد تجرد من «طبيعيته» ليصبح جزءًا من «الثقافة»، والفارق بين الاثنين هو الدلالة، التي يتوفر عليها الثاني بينما لا يعرفها الأول. لكن المخطوطة لا تكتفي باستعارة جميع هذه الحواس من الذات الإنسانية، بل تتوفر على ما لا يمكن استيعابه: الذاكرة.
المخطوطة التي تحمل عنواناً (اسماً) يناقض طبيعتها، توضع في ارتباك يمثل سؤال هويتها ومأزقها الدرامي بما أنها تُقدم كسارد مشارك في الأحداث: فهي أنثى تحمل اسم ذكر هو «المتكتم». «كيان» هو «المتكتم» كشخصية روائية في رواية رشيد، غير أن المخطوطة هي أيضاً المتكتم كموجود مادي في العالم. المخطوطة إذن، أكثر حقيقية من ساردها مثلما هي أكثر حضورًا من مؤلفها، وعندما تصير هي نفسها ساردة لقصة أخرى (سيرة المؤلف الواقعي كمحكية غير تخييلية)، فإنها لا تضع عنوانًا، لا تريد أن تمنح نصها الجديد اسماً لم يختره. من إذن وضع عنوان «معبد أنامل الحرير» على غلاف الكتاب الذي يضم المخطوطة وحكايتها؟ إنه سارد ثالث، يعثر على المخطوطة، ويضع لها ملحقاً، فصلاً أخيراً لاحقاً على فصولها الخمسين، غير مرقم، لتتحول محكية المخطوطة عن صاحبها (بفعل القراءة) إلى نص تخييل يصبح بدوره رواية من حيث كُتِب باعتباره سيرةً. هكذا نحن أمام ثلاث روايات في الحقيقة، تؤول كل منها الأخرى في عمل مرآوي. يضع المجهول عنوان الرواية لكنه لا يكشف عن اسمه. يكتفي بأن ينفي عن نفسه احتمالية أن يكون «رشيد الجوهري»، بينما يفتح الباب أمام محكية جديدة بؤرتها سفينة الأشباح. القارئ، قارئ الصدفة (وهو هنا ينهض في مستوى أكثر عمومية من المستوى الذي يجسده قاسم كقارئ قصد ـ غائي) هو الكاتب النهائي للنص، على الأقل لأنه من يمنحه، فعلياً، عنوانه.
ثمة أمر أخطر، فنحن أمام نص (المخطوطة) خاضع لعملية قراءة بينما يمارس عملية كتابة. تعرُّض المخطوطة للقراءة يُبطل مفعولها، يعطل قدرتها على السرد، إنها لا تستطيع تأدية الدورين معًا. لن تعرض المخطوطة نفسها كنص مكتوب إلا بوقوع عين أخرى عليها، وعي يفضها، أي أنها دون ذلك، لا يمكنها أن تسرد نفسها، ولا أن تدل بالتالي. ألِأنّها لا تستطيع رؤية نفسها، تماماً كالبشر؟
لهذا تسير المخطوطة في طريقين متقاطعين: دورها كمنتجة لسيرة سابقة على وجودها، ودورها كموضوع، أي أن المخطوطة وفق رواية فرغلي تتحول لموضوع وذات في الوقت نفسه: «كان المفترض أن أكون اليوم كتاباً منسوخاً في آلاف النسخ، يتكاثر قرائي، يعرفوني، وأعرفهم، ومن خلالي تصلهم أفكار مختلقي، رشيد الجوهري، الذي أصبح اختفاؤه لغزاً لا يبدو لي أنني سأتمكن من حل غموضه لو استمر سير الأمور على النحو الذي تسير عليه. كما لو أن قدري أنا أيضاً أصبح معلقاً بقدره. أو كأن سيرتي، على نحو أو آخر، تعكس جانباً من سيرته».
المخطوطة أنثى، وتتحدث كأنثى، إنها تختار هويتها ببساطة بمعزل عن عنوانها، تنحاز لوجودها الطبيعي وليس لاسمها الملصق بها. هي تؤكد بذلك أن ذلك المثلث يمكن أن يحيل بعد قليل لثالوث آخر (زوج، زوجة، عشيق)، نعم: قاسم الآن يمتلك المخطوطة، تتعرى (بقراءته لها) أمامه وتصبح جزءاً من سريره، فتخفت، كلما ابتعد في اكتشافها، رغبته في العثور على صديقه، لصالح العثور على وعيه بالعالم. المخطوطة (غير المنشورة بعد) هي سر صاحبها كما يُفترض، فلم تصبح بعد متاحة للشراكة، ويغدو الزج بها في هذه الشراكة السابقة للأوان نوعاً من الخيانة: «ظهور قاسم بدد شعوري بالضياع منذ اختفاء رشيد». لكن قاسم عشيق مُحبَط ،قاسم يتصل بالمخطوطة في بعدها الذكري «المتكتم»، فيجعلها تخون نفسها مرتين. ولذلك، لن ينجح قاسم طويلاً في الحفاظ على هذه الأنثى، كونها، في المستوى الأعمق، لا تشبعه.
نحن أمام رواية ميتا ـ سردية بامتياز، حيث الرواية هي موضوع لرواية أخرى تغدو بدورها موضوعاً لرواية ثالثة، موضوعاً لتفكيرها وتقليبها وإعادة كتابتها بإعادة تأويلها. غير أن هذه اللعبة الشكلانية، المتصلة بقيمة فوقية (ما فوق السرد)، وهي قيمة تأويلية تجعل من كل تخييل طبقة يعلوها تخييل أفدح، في لعبة تقشير دائبة، تواجه، موضوعياً، لعبة المحكي نفسه، والمتصل بعالم سفلي (ما تحت الأرض). وبنفس قوة المفارقة لكن في اتجاه عكسي، تتحقق مفارقة موضوعية بالغرق تحت الأرض المعلنة. يملك «رشيد الجوهري» مغامرتين: واحدة أفقية، تنتقل من القاهرة لإندونيسيا لألمانيا، مثلما تتنقل بين يوديت، سلمى، بيرجيت، أهران وغيرهن من نساء لذته وتمزقه. مقابل رحلة الواقع «الخطية»، هناك رحلة التخييل العمودية، رحلة تحفر في مكانها عميقاً ليصبح البعدان فوق/‏‏ تحت هما ما يحدد جغرافية الوهم. في الحقيقة، فإن ما يجعل الرحلة الروائية أشد تعبيرًا عن رشيد حقيقة أن محنة حياته نفسها تتخلق من هذين البعدين: السماء (التي كان يتمنى أن يعبرها طياراً) والأرض التي التصق بها بائعاً للكتب، لينتهي به المطاف كهارب بحراً بعد أن تحول لمهرب ومزور كتب. سماء تطلعات رشيد تواجه بحر غرقه وضياعه، و«مدينة الظلام» لدى كيان (القناع الروائي لرشيد) تنهض أمامها المدينة السفلية. لكن رشيد الذي يتلبس قناع «كيان» في الرواية يتحول في المخطوطة لهارب من دور الرقيب ضمن جماعة مسيطرة على «مدينة الظلام» إلى مدينة أخرى موازية تحت الأرض يصبح فيها أحد أفراد «الكتبة الهاربين»، تقاوم بإعادة نسخ الكتب المهددة بل ويصل بها الخيال لفكرة النسخ على الفتيات، بحيث يمكن قراءة نص ما يصفهن. القراءة أيضاً مرتبطة بالتعري، لذا لا يمكن لرقابة ما أن تعاقبها على جزء أصيل من جوهرها. لن تفي أجساد رشيد أبداً بالغرض نفسه في واقعه: فواحد من أجساد حبيباته لم يتمكن رشيد من قراءته. ولولا الإخفاق في الحب، ما نجت الكتب في المخطوطة.

يمثل ذلك الجدل نفسه، على مستوى أشد تجريداً في البنية التحتية للرواية، حوارية السردي (الزماني، الخطي، الأفقي) مع الشعري (المكاني، الرأسي، اللاسببي). وهذان المنحيان معاً، يتبادلان الهيمنة على المناخ التكويني لمعبد أنامل الحرير كنص حواري كرنفالي، ويفسران مستوياتها المختلفة، فهناك مستوى القصة الإطارية، الإخبارية، وحيث لغة «المخطوطة» نفسها لغة تداول، تنفتح على ما يبدو قصة بوليسية لا يعوزها الغموض ولا تنقصها الإثارة، وهناك داخل القصة الإطارية الرواية المتضمنة، والتي يتولاها السارد «كيان»، وهناك، في الأخير، الفصل الوحيد المعنوَن «سفينة الأشباح»، والذي يتولاه سارد ثالث مجهول، هو من يعثر على مخطوطة «المتكتم» ويسمح بنشرها. في ظل كل ذلك، لا وجود لصوت «رشيد» نفسه، المتجسد في شذرات ويوميات بنى روايته على أنقاضها غير أنها بقيت أنقاضاً نهض عليها صرحه التخييلي. رشيد، بحضوره الفادح، غائب، كإله، تدل جميع العلامات على وجوده، ولا يمكن إنكاره، لكنه ليس متجسداً سوى في اتفاق من اقتنعوا في وجوده على كونه قابعاً في مكان ما، يدير شخصياته.
نشرت في ملحق شرفات بجريدة عمان.

Comments

Popular posts from this blog

معبد أنامل الحرير على ويكيبيديا

معبد أنامل الحرير رواية للروائي المصري إبراهيم فرغلي. صدرت الرواية لأوّل مرة عام 2015 عن منشوراتضفاففيبيروتبالاشتراك معمنشورات الاختلاففيالجزائر العاصمة. ودخلت في القائمة الطويلةللجائزة العالمية للرواية العربيةلعام 2016، وهي النسخة العربية لجائزة "بوكر" العالمية للرواية. حول الرواية

يروي الكاتب المصري "إبراهيم فرغلي" في هذه الرواية سيرة نص سردي، في هيئة مخطوط، يبحث عن مؤلفه، الذي ترك النص على متن زورق في عرض البحر وقفز هربا من مطارديه. تسرد الرواية ما يحدث لها من جهة بينما من جهة أخرى تستدعي سيرته التي تتناثر بين طفولته في الإمارات وشبابه في مصر ثم ألمانيا. أما الرواية فتتناولها أيدي صديق للكاتب وقراصنة بحار من الصومال وفتاة إيثيوبية ضلت الطريق إلى السفينة التي تنقلت عليها الرواية. ويقوم  من يتناقلون المخطوط بالإطلاع على متنه الذي يضم قصة كتيبة من النساخين الهاربين من مدينة تدعى مدينة الظلام انتشرت فيها جماعة متسلطة يقودها رئيس جهاز رقابي. تتوالى مفارقات المتن في الرواية بالتشابك مع الأحداث التي تمر بها الرواية في عرض البحر من جهة وبين تقصي أثر الكاتب من جهة أخرى.[4]